السيد هاشم البحراني
48
البرهان في تفسير القرآن
بلادهم كثيرة الخير خصبة ، فحبس الله عنهم المطر سبع سنين حتى أجدبوا ، وذهب خيرهم من بلادهم ، وكان هود يقول لهم ما حكى الله في سورة هود : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْه ، إلى قوله تعالى : ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ « 1 » فلم يؤمنوا ، وعتوا ، فأوحى الله إلى هود ( عليه السلام ) : أنه يأتيهم العذاب في وقت كذا وكذا * ( رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ ) * ، فلما كان ذلك الوقت ، نظروا إلى سحابة ، قد أقبلت ، ففرحوا وقالوا : * ( هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا ) * الساعة بمطر ، فقال لهم هود : * ( بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِه ) * . في قوله تعالى : * ( فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) * . * ( رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها ) * ، فلفظه عام ومعناه خاص ، لأنها تركت أشياء كثيرة لم تدمرها ، وانما دمرت ما لهم كله ، فكان كما قال الله تعالى : * ( فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ ) * ، وكل هذه الأخبار من هلاك الأمم تخويف وتحذير لأمة محمد ( صلى الله عليه وآله ) . وقوله تعالى : * ( ولَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيه وجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وأَبْصاراً وأَفْئِدَةً ) * ، أي قد أعطيناهم فكفروا ، فنزل بهم العذاب ، فاحذروا أن ينزل بكم ما نزل بهم . ثم خاطب الله تعالى قريشا : * ( ولَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وصَرَّفْنَا الآياتِ ) * ، أي بينا ، وهي بلاد عاد وقوم صالح وقوم لوط ، ثم قال احتجاجا عليهم : * ( فَلَوْ لا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّه قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ ) * أي بطلوا * ( وذلِكَ إِفْكُهُمْ ) * أي كذبهم * ( وما كانُوا يَفْتَرُونَ ) * . قال : قوله تعالى : * ( وإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ) * ، إلى قوله تعالى : * ( فَلَمَّا قُضِيَ ) * ، أي فرغ * ( وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا ) * إلى قوله تعالى : * ( أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) * ، فهذا كله حكاية عن الجن ، وكان سبب نزولها أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) خرج من مكة إلى سوق عكاظ ، ومعه زيد بن حارثة ، يدعو الناس إلى الإسلام ، فلم يجبه أحد ، ولم يجد من يقبله ، ثم رجع إلى مكة ، فلما بلغ موضعا [ يقال ] له : وادي مجنة تهجد بالقرآن في جوف الليل ، فمر به نفر من الجن ، فلما سمعوا قراءة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، استمعوا له ، فلما سمعوا قراءته ، قال بعضهم لبعض : * ( أَنْصِتُوا ) * ، يعني اسكتوا : * ( فَلَمَّا قُضِيَ ) * ، أي فرغ : * ( وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْه يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّه وآمِنُوا بِه ) * ، إلى قوله تعالى : * ( أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) * ، فجاؤوا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأسلموا وآمنوا ، وعلمهم شرائع الإسلام ، فأنزل على نبيه قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّه اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ « 2 » ، السورة كلها ، فحكى [ الله ] عز وجل قولهم وولى عليهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وكانوا يعودون إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في كل وقت ، فأمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أن يعلمهم ويفقههم ، فمنهم مؤمنون وكافرون وناصبون ، ويهود ونصارى ومجوس ، وهم ولد الجان . 9795 / [ 2 ] - قال : وسئل العالم ( عليه السلام ) عن مؤمني الجن أيدخلون الجنة ؟ فقال : « لا ، ولكن لله حظائر بين الجنة والنار ، ويكون فيها مؤمنو الجن وفساق الشيعة » .
--> 2 - تفسير القمّي 2 : 300 . ( 1 ) هود 11 : 52 . ( 2 ) الجنّ 72 : 1 .